عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

469

اللباب في علوم الكتاب

وروي عن ابن عباس ومجاهد وعطاء : أن الطواف لأهل الأنصار أفضل ، والصلاة لأهل « مكة » أفضل . ومنها جواز الاعتكاف في البيت . ومنها جواز الصلاة في البيت فرضا أو نفلا إذ لم تفرق الآية بين شيئين منها ، خلافا لمن منع جواز الصّلاة المفروضة في البيت . فإن قيل : لا تسلم دلالة الآية على ذلك ؛ لأنه - تعالى - لم يقل : والركّع السجود في البيت ، وكما لا تدلّ الآية على جواز فعل الطّواف في جوف البيت ، وإنما دلّت على فعله خارج البيت كذلك دلالته مقصورة على جواز فعل الصّلاة إلى البيت متوجّهة إليه ، فالجواب ظاهر لأنه يتناول الرجع السجود إلى البيت ، سواء كان ذلك في البيت ، أو خارجا عنها ، وإنما أوجبنا وقوع الطواف خارج البيت هو أن يطوف بالبيت ، ولا يسمى طائفا بالبيت من طاف في جوفه ، واللّه - تعالى - إنما أمر بالطواف به لا بالطواف فيه ، لقوله تعالى : وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [ الحج : 29 ] . وأيضا المراد لو كان التوجه إليه للصلاة ، لما كان الأمر بتطهير البيت للركع السجود وجه ، إذ كان حاضرو البيت والغائبون عنه سواء في الأمر بالتوجّه إليه . فإن قيل : احتجّ المخالف بقوله تعالى : فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [ البقرة : 144 ] ومن كان داخل المسجد الحرام لم يكن متوجّها إلى المسجد ، بل إلى جزء من أجزائه . والجواب : أن المتوجّه الواحد يستحيل أن يكون متوجها إلى كلّ المسجد ، بل لا بد وأن يكون متوجها إلى جزء من أجزائه ، ومن كان داخل البيت فهو كذلك ، فوجب أن يكون داخلا تحت الآية . فصل في تطهير جميع بيوت اللّه ويدخل في هذا المعنى جميع بيوت اللّه تعالى ، فيكون حكمها حكمه في التطهير والنظافة ، وإنما خص الكعبة بالذكر ؛ لأنه لم يكن هناك غيرها . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 126 ] وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 126 ) قال القاضي رحمه اللّه تعالى : في هذه الآيات تقديم وتأخير ، لأن قوله : « رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً » لا يمكن إلّا بعد دخول البلد في الوجود ، والذي ذكره من بعد وهو قوله : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ [ البقرة : 127 ] وإن كان متأخرا في التلاوة ، فهو متقدم في المعنى .